استشراف مستقبل العمل التربوي

في ضوء ما أسفر عنه تنفيذ برامج الخطة متوسطة المدى الثالثة، اتجه المكتب نحو إنجاز صياغة لرؤية مستقبلية لخططه ومشروعاته وبرامجه بعد أن تزايدت حاجة دوله الأعضاء إلى ربط خططها ومشروعاتها التعليمية بالاحتياجات التعليمية لتوظيف المستجدات التقنية والعلمية لتحقيق طموحاتها في التنمية الشاملة ولذلك وجد المكتب نفسه بحاجة إلى إنجاز دراسة استشراف مستقبل العمل التربوي في الدول الأعضاء، وفي الوقت نفسه قام بالتخطيط لتنفيذ مجموعة من المشروعات والبرامج خلال الفترة الانتقالية التي تلت الخطة متوسطة المدى الثالثة، والتي استغرقت الدورة المالية 1418/1419هـ والدورة المالية 1420/1421هـ. وأنجز المكتب خلالها العديد من البرامج والمشروعات التي كانت تعتمد من المجلس التنفيذي وتقر من المؤتمر العام في كل دورة مالية، بالإضافة إلى متابعة تنفيذ البرامج التي لها طابع الاستمرارية، وعدد من البرامج الأخرى التي كانت تتم بناء على طلب من الدول الأعضاء وتلبي احتياجاتها .
وضعت وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي الرؤية والتوجهات العامة لتطوير التعليم في الدول الأعضاء بالمكتب خلال عشرين سنة بدأت منذ إنجاز تلك الوثيقة عام 1420هـ (1999م) وقد تكونت تلك الرؤية من نواتج الدراسات التي أعدت لمشروع استشراف مستقبل العمل التربوي في دول المكتب وما تضمنته من نتائج وتوصيات وما دار من مناقشات وطرح للرؤى في حلقات النقاش والندوات العلمية ولقاءات الخبراء التي عقدها المكتب إضافة إلى استناد هذه الوثيقة على التقارير والدراسات المحلية والعربية والدولية وما صدر من المنظمات الدولية المعنية بالتربية والتعليم من دراسات وتقارير تربوية مشهورة .
وقد استدلت وثيقة الاستشراف من خلال الدراسات المستقبلية على أن من أبرز التحديات التي سيواجهها العمل التربوي في المرحلة القادمة الارتفاع المتصاعد في نفقات التعليم، نتيجة النمو السكاني وتزايد الطلب على التعليم في مراحله وأنواعه المختلفة، وتزايد المعرفة بسرعة مذهلة نتيجة للبحوث العلمية وتطبيقاتها المتنوعة التي تقتحم كل المجالات التي يمكن الوصول إليها، ونتيجة للتطور الهائل في تقنية المعلومات وفي وسائل الاتصال والإعلام والذي تتجلى مظاهره في ازدياد مصادر المعلومات وتنوعها، وسهولة وصولها إلى كل مكان في العالم، بما تحمله تلك الوسائل من تدفق ثقافي يشكل بعضه تهديداً مباشراً للقيم والثقافات .
وتمثل تلك المتغيرات وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية تحديات أخرى، قد تفوق في نوعها وحجمها طاقة الكثيرين على التكيف معها، ما لم يتهيأوا للعيش في عصر المعلومات الذي سوف يشكل بيئات وظروف عمل جديدة، تتطلب نوعاً من الخبرات النامية باستمرار بحيث تمكن صاحبها من استيعاب المعلومات المتجددة، واستخدام معارفه ومهاراته بشكل ابتكاري للتمكن من المحافظة على هويته وثقافته، والارتقاء بأدائه باستمرار وأداء دوره على الوجه الأكمل .
وإزاء هذه المتغيرات والآثار الناتجة عنها والتحديات المصاحبة لها، واستناداً إلى ما كشفت عنه الدراسات ودلت عليه الشواهد حول واقع التعليم في الدول الأعضاء ومستوى مخرجاته، وما أسفرت عنه المناقشات المستفيضة التي شارك فيها خبراء في مختلف مجالات العمل والإنتاج والتنمية وخاصة في الاقتصاد والتجارة والصناعة والإعلام والثقافة، إلى جانب خبراء التربية والتعليم، تبرز أهم أولويات العمل التربوي خلال المرحلة القادمة في ثلاثة أمور:
أولها : إحداث تطوير نوعي في مدخلات نظام التعليم وعملياته كي تتحسن مخرجاته، وترتفع إلى المستويات المنشودة، وذلك بتطوير عملية التعلم والتعليم ذاتها، وبالتنمية المهنية للقوى البشرية المشاركة في التطوير، وبربط عمليات التطوير بالبحث العلمي المتواصل، وبإدارة عملية التطوير بما يكفل فهم أهدافه من قبل كل المعنيين به، وقدرتهم على تطبيقه بصورة فاعلة تضمن حدوث التطوير واستدامته.
وثانيها : ضبط مستوى جودة التعليم من خلال تقويم مخرجات التعليم وأداء المعلمين والمؤسسة التربوية وإدارة نظام التعليم وفق المعايير العالمية، والارتقاء به بصورة مستمرة .
وثالثها : تعزيز الموارد اللازمة للتطوير النوعي في التعليم، بمعالجة أسباب الهدر في الإنفاق، وابتكار أساليب ووسائل أجدى في العمل، وتنويع مصادر التمويل عن طريق مشاركة مؤسسات المجتمع المحلية وهيئاته وأفراده.
وانطلاقاً من تلك الأولويات تحددت مجالات التطوير التي ركزت عليها وثيقة الاستشراف فيما يأتي :
1) في مجال التربية في مرحلة ما قبل المدرسة : ويتمحور الهدف العام في هذا المجال بتوفير التربية لكل الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، بكل أنواع السبل الممكنة والملائمة، وتطوير نوعية برامجها في ضوء نتائج البحوث النفسية والتربوية، وبالاستفادة من مختلف الوسائل التعليمية بما في ذلك وسائل الاتصال والإعلام الحديثة الميسرة للتعلم عن بعد .
2) في مجال تطوير التعليم الأساسي، ويتمثل الهدف العام فيه بتحديد الأهداف العامة للتعليم الأساسي، وإعادة هيكلته في ضوء الأهداف الجديدة، وتطوير مناهجه وفق خصائص المتعلمين في كل حلقة من حلقاته، بما يؤدي إلى إتقان المتعلمين معرفةً ومهارات أساسية واكتسابهم قيماً تيسر لهم التنشئة الاجتماعية السليمة، وتمكنهم من التعلم الذاتي مدى الحياة، والتكيف الإيجابي مع المتغيرات المستقبلية .
3) في مجال تطوير التعليم الثانوي، ويتحدد الهدف العام فيه بتطوير التعليم الثانوي، بكل فروعه ومساراته، ليصبح أعلى جودة وأكثر مرونة، بحيث يكتسب خريجوه معرفة ومهارات تؤهلهم للقبول في الجامعات وفي مؤسسات التعليم والتدريب في المرحلة اللاحقة أو الالتحاق بسوق العمل، وكذلك تيسير الانتقال بينهما لإعادة التعلم والتأهل المهني .
4) في مجال محو الأمية، ويتحدد الهدف العام فيه بالقضاء على الأمية لتعليم القراءة والكتابة لمن يجهلها بشتى الوسائل الممكنة، والإفادة من الوسائل الحديثة والمتطورة، وسد منابع الأمية بالسبل الوقائية والعلاجية .
5) في مجال تطوير المناهج الدراسية، ويتحدد الهدف الهام فيه بتطوير صناعة المناهج الدراسية بما يؤدي إلى تجويد العملية التعليمية وخروجها من جمود قالب التعليم التقليدي المعتمد على التلقين واستظهار المعلومات واسترجاعها، إلى حيوية التعلم الناتج عن الاستكشاف والبحث والتحليل والتعامل وصولاً إلى حل المشكلات، بالاستفادة من مصادر التعلم ووسائطه المتنوعة.
6) في مجال مصادر التعلم وتقنية المعلومات، ويتحدد الهدف العام فيه بتطوير بيئة التعلم في المدرسة وإغنائها بمصادر التعلم الحديثة المتنوعة، وتهيئة الفرص أمام المعلمين والطلبة للتمكن من استخدام تقنية المعلومات المتطورة والانتفاع بها في اكتساب المعرفة وأداء العمل بكفاية وفاعلية .
7) في مجال تحسين أداء المدرسة، ويتحدد الهدف العام فيه بتعزيز مكانة المدرسة كمؤسسة تربوية، وكوحدة تربوية أساسية في النظم التعليمية وكمنطلق للتطوير التربوي لتتمكن من أداء وظيفتها كاملة في التربية والتنشئة الاجتماعية والتعليم، ولتتهيأ لممارسة مهامها في المرحلة القادمة بكفاية أعلى وبجدوى اقتصادية أفضل للاستفادة من مصادرها البشرية والمادية.
8) في مجال التنمية المهنية للمعلمين، ويتحدد الهدف العام فيه برفع الكفاية المهنية للمعلمين لمعرفة المستجدات العلمية والتربوية والتقنية، باستمرار واكتساب الخبرات الأساسية التي تمكنهم من الإسهام بفاعلية في تطبيق التجديدات التربوية وتقويمها وتطويرها مستقبلا.
9) في مجال تمويل التعليم، ويتحدد الهدف العام فيه بترشيد الإنفاق على التعليم عن طريق رفع الكفاية النوعية للعملية التعليمية ومعالجة أسباب الهدر فيها – من جهة – وتنويع مصادر التمويل لمواجهة مطالب تجديد التعليم وتطويره، والاستجابة للطلب المتزايد للتعليم مستقبلاً نتيجة النمو السكاني من جهة أخرى .
10) في مجال تعزيز العمل التربوي المشترك بين دول الخليج العربية، ويتحدد الهدف العام فيه بتعزيز العمل التربوي المشترك بين دول الخليج العربية، وبخاصة في مجالات التطوير النوعي للتعليم كضرورة من ضرورات التخطيط الاستراتيجي للتنمية البشرية في المنطقة، القائم على نتائج البحث العلمي وتطبيقاته الميدانية، وإيجاد مؤسسات تطوير مشتركة أو الاستفادة المشتركة من المؤسسات المتميزة القائمة فعلا تحاشياً للتكرار والهدر .
وقد مثلت وثيقة استشراف مستقبل العمل التربوي مرجعاً مهماً لخطط المكتب ومشروعاته المستقبلية بدءًا من خطة المكتب متوسطة المدى الرابعة التي أعدها المكتب وقام بتنفيذ برامجها وتزامنت هذه الخطة مع ازدياد وتنامي ما حظي به التعليم من اهتمام قادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وصدور قرارات المجلس الأعلى بالموافقة على الخطة المشتركة لتطوير مناهج التعليم بالدول الأعضاء مما حفز العمل في المكتب لتكثيف جهوده لتنفيذ مشروعات وبرامج كل من هاتين الخطتين (الخطة متوسطة المدى الرابعة والخطة المشتركة لتطوير التعليم).

مكتب التربية العربي لدول الخليج منظمة اقليمية حكومية دولية تعمل في الدول الأعضاء السبعة (دولة الأمارات العربية المتحدة ، مملكة البحرين، جمهورية اليمن، المملكة العربية السعودية، دولة الكويت ، سلطنة عمان ، ودولة قطر) من أجل تعزيز التعاون والتنسيق في مجالات الثقافة والتربية والتعليم والعلوم والمعلومات والتوثيق. وقد كانت هذه هي مهمة المكتب منذ إنشائه في العام 1975م . أما الأهداف الرئيسة للمكتب فهي المساهمة في توحيد دول وشعوب المنطقة بالتعاون فيما بينها وتطوير الجهود الجماعية وطرق التعاون في مجالات الاهتمام وزيادة فعالية أنظمتها التعليمية لتلبي احتياجات التنمية في المنطقة.



جميع الحقوق محفوظة © لمكتب التربية العربي لدول الخليج 2018 ( سياسة الخصوصية )