فن التعليم عند بدر الدين بن جماعة، كما يبدوا في كتابة تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم.
يعرض هذا الكتاب بالتفصيل لآراء بدر الدين بن جماعة في التعليم, كما بدت من كتاب: "تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم", وهي آراء تعبر بصدق عن عقل مبدع, وبصيرة نافذة سبقت آراء التربويين المحدثين في التعليم أمثل روسو, وبستالوزي, وفروبل, وهاربرت, وديوي. وتقع الدراسة في ستة فصول؛ يعالج الفصل الأول منها المجتمع في عصر ابن جماعة، إذ لا نستطيع أن نقترب من فـَهم صحيح لأفكار الرجل وآرائه دون إلمامة – وإن كانت سريعة- بظروف بيئته التي عاش فيها؛ وذلك للعلاقة القائمة بين الإنسان وبيئته, وتأثير كل منهما في الآخر, فالمفكر في النهاية ابن بيئته ونتاج عصره. وقد تعرض هذا الفصل بإيجاز للحياة السياسية حيث عاصر ابن جماعة أحداثـًا جسامـًا, تركت تأثيرها المباشر في كل نواحي الحياة آنذاك, من ذلك سقوط دولة بني أيوب وقيام دولة المماليك, واستيلاء جحافل التتار على بغداد وقضائهم على الخلافة العباسية, وزحفهم المروع إلى مصر والشام, ثم انكسار قوتهم في عين جالوت, وانحسار مدّهم إثر الهزائم العديدة التي لحقت بهم. كما تعرض الفصل بإيجاز أيضـًا للحياة الاجتماعية, ذلك لأن أفكار الإنسان وآراءه ومشاعره تؤثر فيها وتوجهها النظم والعادات والتقاليد والآراء السائدة في مجتمعه. فعرض العوامل التي طبعت الحياة الاجتماعية وقتذاك بطابع خاص مميـّز أثرَ في تشكيل شخصية شيخنا ابن جماعة. أما الفصل الثاني فقد عالج التعليم في عصر ابن جماعة وألقى الضوء على نوعين من التعليم آنذاك أحدهما خاص بطبقة المماليك الحاكمة, وهو تعليم تغلب عليه الصفة العسكرية, والآخر خاص بطبقات الشعب الأخرى. وقد تناول الفصل النظام التربوي الذي تولى إعداد المماليك لما ينتظرهم من مهام, وكيف تمكن هذا النظام من صهر أجناسهم المختلفة في بوتقة واحدة أدخلت في تكوينهم عقيدة الإسلام والزمتهم آدابه وتعاليمه. فشمل النظام التربوي, مدارس الطباق, ومدة التعليم فيها, والمنهج والمواد الدراسية, ومعلمي الطباق, ثم التعليم الحربي في ميادين التدريب, والرياضة البدنية. أما تعليم العامة فقد كان يتم في مؤسسات التعليم المعروفة حينئذاك, وقد تعرض الفصل منها للمدارس فأشار إلى أشهرها, ثم بيـّن وظيفة المدرسة, وذكر معلميها ومراتبهم, ونظام الدراسة بها, وآداب سكناها, ومواد الدراسة ومناهجها, كما تعرض للخوانق وللربط وللزوايا, وذكر نماذج منها موضحـًا دورها التعليمي وكيفية ترتيب الدروس وحلقات العلم بها, وأخيرًا تعرض الفصل لمكاتب التعليم. فتناول أنواعها, وسنّ الالتحاق ومدة الدراسة بها, وإعداد التلاميذ, والرعاية الصحية التي كانت تقدم لهم, ومنهج التعليم ومواد الدراسة, وانتهى الفصل بالحديث عن معلمي المكاتب من حيث ثقافتهم ومراتبهم. وتناول الفصل الثالث ترجمة لصاحب الدراسة قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة, فعرض الفصل لمولده ونشأته, ولدراسته وشيوخه, ولوظائفه التي شغلها كالتعليم والخطابة والقضاء, ثم تناول أدبه وشعره, ثم عرض لمؤلفاته فقد كان كثير التأليف يضرب في كل فن بسهم, وأخيرًا لوفاته بعد أن أكمل أربعـًا وتسعين عامـًا وشهرًا وأيامـًا, حمدت فيها سيرته وحسنت أعماله. أما الفصل الرابع "المعلم في الفكر التربوي لابن جماعة" فبيـّن كيف أدرك ابن جماعة أن المعلم من أهم عناصر العملية التعليمية, وتناول أبعاد كفايته الخاصة ممثلة في غزارة مادته العلمية, ومداومة التعلـّم والدراسة؛ فالمعلم في رأي بن جماعة أحسن متعلم, في ثقافته العامة, وفي معرفته التامة بتلميذه. ثم عرض الفصل للصفات الواجب توافرها في المعلم الجيد, كما رآها ابن جماعة, وأخيرًا مسؤوليات المعلم عند ابن جماعة, وهي أعظم من مسؤوليات غيره لأن عمله هو إبداع قوى التلاميذ واطلاق طاقاتهم واستعداداتهم إلى أقصى حدّ ممكن, وقد تناول الفصل من مسؤوليات المعلم: مسئوليته تجاه المادة التي يقوم بتدريسها, ومسؤوليته تجاه الإرشاد والتوجيه ومساعد التلاميذ على تحقيق ذواتهم, ومسؤوليته تجاه الصحة النفسية له ولتلاميذه على تحقيق ذواتهم, ومسؤوليته تجاه الصحة النفسية له ولتلاميذه, وأخيرًا مسئوليته تجاه البحث العلمي, وفي هذا الصدد عرض الفصل لأصول منهج البحث العلمي عند ابن جماعة. أما الفصل الخامس فعالج الأسس الفنية للتعليم عند الشيخ ابن جماعة, فتناول رأيه في العوامل التي تؤثر في التعليم وتهيمن عليه, ومن الجدير بالملاحظة أنه قبل أن يوقفنا علم النفس التعليمي على مبادئ التعليم وقوانينه كان لشيخنا ابن جماعة محاولات جادة لسبر العلاقة بين طبيعة المتعلم وعملية التعليم, وعرض الفصل لرأي ابن جماعة في مبدأ الدافعية, حيث توصل الرجل إلى أن الطلاب يتعلمون بصورة أفضل إذا ما اشتدت رغبتهم في التعلـّم وحسنت نيتهم لهم, وكان ذلك في بداية النشاط, وقد رأى أن المتعلم ينبغي أن يكون نشيطـًا لما يريد أن يتعلمه, وأن التعلـّم يتناسب مع ما يبذله المتعلم من جهد, وأن هذا الجهد يجب أن يكون موجهـًا لغرض, ولا يقتصر بذل النشاط والجهد على نوع التعلـّم اللفظي, وإنما يتعداه لكل أنواع التعلـّم. وفي مبدأ الثواب والعقاب توصل ابن جماعة إلى أن المكافأة تثبت المتعلم, وأن أفضل أنواع المعززات التي يمكن للمعلم استعمالها عند تعامله مع تلاميذه هي القبول والثناء, ودعا ابن جماعة إلى استخدام أنواع مخففة من العقوبة لأنها بواعث على التعلـّم , بحيث لا تسبب ألمـًا ولا أذى, ولا تجرح كبرياء أو تلحق إهانة. وفي مبدأ معرفة نتائج التعلـّم كان رأي ابن جماعة أن تعرّف نتائج التعلـّم تجعل المتعلم بالنسبة للتلاميذ أكثر تشويقـًا, كما تحملهم على المنافسة وبذل الجهد. وفي مبدأ مراعاة العوامل المتصلة بوظائف الأعضاء "الفسيولوجية" سبق ابن جماعة كثيرين في إدراكه لأثر العوامل الجسمية في نوع التعلـّم وكميته, فعرض للغذاء مبينـًا رأيه في أن الجوع الشديد يعطل التعلـّم, وأن التعلـّم ينقص في حالة التعب, ومن هنا كان تأكيده على أهمية فترة التعلـّم, وان التعلـّم ينقص في حالة التعب, ومن هنا كانت تأكيده على أهمية الراحة والاستجمام بعد التعلـّم وقبل الشروع في تعلم جديد، وقد توصل ابن جماعة إلى أن للنقص الحسـّي عند المتعلم أثرًا واضحـًا في ناتج التعلـّم. وفي مبدأ مراعاة عامل الذكاء, رأى ابن جماعة أن الذكاء من أقوى العوامل أثرًا وأهمية في التعلـّم, ومن الجدير بالملاحظة أن الرجل قد أشار إلى نظام يتبع في تجميع التلاميذ داخل حلقة التعليم وجلوسهم في فئات متجانسة وهو ما نطلق عليه الآن الترتيب المتجانس للتلاميذ حسب القدرات. وفي مبدأ مراعاة الحالة الانفعالية للمتعلم أشار ابن جماعة إلى العلاقة بين الانفعال والتعلـّم, موضحـًا أن الانفعالات الشديدة الثائرة تعطل القدرة على الانتباه والتركيز والتذكر والتفكير السليم, فلا تنجو من آثار الانفعال وظيفة من وظائف المتعلم العقلية, وعرض ابن جماعة علاجـًا للتخفيف من حدة الانفعالات والتقليل من تأثيرها على الفرد, معتمدًا في ذلك على إثارة الجانب التفكيري الإدراكي والجانب النزوعي في المتعلم. أما الفصل السادس والأخير فقد عالج بعض طرق التدريس وأساليبه عند الشيخ ابن جماعة, فعرض لرأيه في خصائص الطريقة الجيدة, من حيث مراعاتها للمبادئ السابقة, ومراعاتها للصحة العقلية للمتعلم ولصحته الجمسية, وتهيئتها لغرض التعاون بين المتعلمين, وقابليتها للتكيـّف وفق الزمن المحدّد للتدريس وطبيعة الدارسين, وإتاحتها لغرض استخدام وسائل التشبيه والتمثيل, وما يعيـّن على إيضاح مراده. وعرض الفصل لطريقة المحاضرات أو الطريقة الإلقائية, موضحـًا اهتمام ابن جماعة بهذه الطريقة, وذلك لسيادة الفلسفة التي تستند إليها هذه الطريقة في عصره, ثم تناول رأيه في نتائج التعلـّم بهذه الطريقة الإلقائية, وخطوات التخطيط للمحاضرة وإلقاء الدرس، وخطوات التنفيذ الجيد للإلقاء بما في ذلك من التمهيد للدرس, ومراعاة قدرات الطلاب, والتأكد من متابعتهم لشرح المعلم, واستخدام عادات صحيحة في الإلقاء والكلام, وعند الخروج عن موضوع المحاضرة, والتأكد من فـَهم التلاميذ أخيرًا لموضوع المحاضرة. كما تعرض الفصل لطريقة الأسئلة (الاستجواب) , فبين أغراض الأسئلة عند الشيخ ابن جماعة, وتناول موقف المعلم من أسئلة تلاميذه, وموقفه أيضـًا من إجابات الأسئلة.

     

انضم الينا فى الفيسبوك تابعنا على تويتر شاركنا على اليوتيوب اتصل بنا