تحديات دمج التقنية في المنهج

تحديات دمج التقنية في المنهج

 

تستقطب الإصلاحات التربوية المعاصرة أهدافاً عديدة، لعل أبرزها دمج تقنية المعلومات والاتصال في التعليم، وتبذل المؤسسات التربوية جهوداً حثيثة لاستثمار تقنية المعلومات والاتصال وتفعيل دورها في التنمية الشاملة، وتعكف على رسم الخطط اللازمة وحشد المصادر المطلوبة بشرية ومادية لتطوير المنظومة التربوية من خلال آليات متعددة، ومن بينها دمج التقنية في التعليم.
وغالبا ما تجد المؤسسات التربوية التي تلتزم بإدخال التقنية في المدارس والفصول الدراسية أنها بحاجة إلى اتخاذ قرار حول دمج التقنية في المنهج بشكل رسمي ملزم، ومع أنه لن يتم في الغالب اتخاذ هذا القرار في المراحل المبكرة لإدخال لتقنية في المدارس؛ إلا أنه سيأتي وقت يرى فيه أصحاب القرار أن انتشار واستخدام التقنية على نطاق واسع في المؤسسة التربوية يبرر ارتباطها واتحادها بالمنهج، وبالأخص إذا كان النظام التربوي يسعى إلى أهداف أكاديمية يمكن تحقيقها بفاعلية أكبر من خلال استخدام التقنية.
ومن الأهداف التربوية التي تُعدّ التقنية داعمة في تحقيقها ما يأتي:
- تحسين تعليم وتعلم المواد الدراسية.
- تطوير مهارات الطالب الأساسية للنجاح في بيئات العمل الحديثة، ويشمل ذلك القدرة على:
 - الاتصال باستخدام الأنواع المختلفة من الوسائط.
 - النفاذ إلى المعلومات وتبادلها بطرق مختلفة.
 - جمع المعلومات وتنظيمها وتحليلها وتأليفها.
 - استخلاص النتائج والخروج بالتعميمات بناءً على المعلومات التي يتم جمعها.
 - تعرّف محتوى المادة الدراسية والقدرة على جمع المعلومات الإضافية حسب ما تقتضيه الحاجة.
 - إعداد المتعلم المعتمد على ذاته.
 - المشاركة والتعاون في "عمل الفريق".
 - التفاعل مع الآخرين بطرق أصيلة ومناسبة.

- زيادة الدافعية نحو التعلم.
- تغيير التنظيم الاجتماعي للفصول الدراسية بحيث تكون متمركزة حول الطالب.
- تعزيز التفاعل بين الطلاب والمعلمين والمدارس الأخرى.
- تحفيز الإبداع والعمل التعاوني.
وقد أظهرت نتائج الدارسات أن بعض هذه الأهداف تتحقق فعلاً من خلال دمج التقنية في التعليم والتعلم، وعلى سبيل المثال تبين أن الطلاب الذين يشاركون في مواقف تعلم من خلال الإنترنت يظهرون مستويات أكبر من الدافعية، وفهما أعمق للمفاهيم واستعدادًا أكبر للتعامل مع الأسئلة الصعبة، كما أظهرت مراجعة لما يزيد على (100) دراسة أن استخدام الحاسب والإنترنت في المدارس والفصول الدراسية يحقق ما يأتي:
- تحسين اتجاهات الطلاب وزيادة مستوى الثقة لديهم.
- تقديم فرص تعليمية لا تتوافر من دون الحاسب.
- زيادة مشاركة الطلاب في المشاريع التعليمية.
- تحسين مهارات حل المشكلات لدى الطلاب بشكل واضح.
- إعداد الطلاب لمعظم الوظائف والمهن.
- التحول في أنماط التعليم من الأساليب التقليدية المباشرة إلى الأساليب المتمحورة حول المتعلم.
ومع ذلك فهناك أسباب متعددة قد تدفع المؤسسات التربوية إلى عدم استخدام أو دمج التقنية في المنهج بشكل إلزامي، ومن أبرز هذه الأسباب محدودية وعدم المساواة في إتاحية الوصول إلى الحاسب والإنترنت، فهناك القليل فقط من المؤسسات التربوية التي تضمن أن جميع الطلاب لديهم فرص كافية ومتساوية للوصول إلى الحاسب والإنترنت، ويضاف إلى ذلك ضعف إعداد المعلمين أو عدمه. ويتطلب تجاوز هذه المشكلات مصادر كثيرة لتوفير الأجهزة والبرامج والاتصال والدعم الفني وتدريب المعلمين.
وفي المقابل فإن عدم دمج التقنية إلزاميـًّا في المنهج سيؤدي إلى عدم الاستفادة بشكل فاعل من الاستثمارات المكلفة في التقنية، وسيتم هدر الكثير من المصادر القيمة، حيث إن العديد من المعلمين الذين تتوافر لديهم الفرصة للوصول إلى التقنية لا يستخدمونها؛ لأنهم لا يعرفون كيفية استخدامها، أو لأنهم مرتاحون لطرقهم الحالية في التعليم، ويشعرون أن استخدام التقنية محاط بكثير من المشكلات الفنية، أو أنهم لا يملكون وقتا كافيا يمكن تخصيصه للتعليم باستخدام التقنية.
إضافة إلى ذلك إن دمج التقنية في الممارسات الصفية يتطلب نقلة جذرية في كل من أنماط التعليم ورؤية المعلم للفصل الدراسي وما يرتبط به، هذه الرؤية الجديدة تغير دور المعلم وتقلل أهمية الأسلوب الإلقائي وتؤكد الحاجة إلى تحسس المشكلات والإنجازات الفردية للطالب، وتحدث تغييراً في أساليب قيادة الفصل وتخطيطه وتصميميه، وفي كيفية التقويم، وكيفية التواصل بين المعلمين وزملائهم، والكثير من التفصيلات الأخرى في الحياة المدرسية.
وحتى بالنسبة إلى المعلمين الذين يتعاملون مع الحاسب والمتحمسين لاستخدامه في التعليم فإنهم يواجهون مشكلة أخرى ترتبط بالمنهج المزدحم بشكل مفرط، حيث يرى البعض من المعلمين والباحثين وغيرهم أن أغلب المناهج تغطي بسرعة العديد من المواضيع وبشكل سطحي، وقليل منها يتناول الموضوعات بعمق يرتقي إلى مستويات الفهم الواجبة، وقد بينت الدراسات أن الطلاب يتعلمون حقائق معزولة من أجل النجاح في الاختبارات ثم ينسونها بسرعة بعد ذلك.
وكذلك فإن المعلمين الذين يريدون بإخلاص تبني الاتجاهات التربوية المتمركزة حول المعلم والأساليب البنيوية يبدون تحسّرهم وشكواهم بسبب اضطرارهم إلى التعامل مع المنهج وتغطية الموضوعات التي يتناولها، وهم يقولون نحن لا نطبق الأساليب الحديثة وما تنادي به الوزارة في برامجها وخططها وندواتها وطموحاتها لأننا مطالبون بتغطية مفردات المنهج ولدينا فقط (45) دقيقة، وما لم يتم تقليل حجم المواد التي يغطيها المنهج فلن يكون لدينا الوقت الكافي لتعليم التفكير، وطرح الأسئلة بل سنكون مضطرين إلى تجاهل بعض الأسئلة لأنها تحتاج وقتاً إضافياً ليس متوافراً لدينا.
ومما يزيد الأمر سوءاً أن أسلوب الاختبارات المتبع يضغط دائما باتجاه تغطية المنهج وتجاهل أي شيء لا يدعم نجاح الطالب في الاختبار بما في ذلك استخدام الأساليب المعتمدة على التقنية.
إن العديد من الاستخدامات الفاعلة للتقنية والحاسب والإنترنت تتطلب مساحات زمنية كبيرة، ودمجا للعديد من الموضوعات والمهارات، وهي عادة تشرك الطلاب في مشاريع تعليمية من الحياة الحقيقة بشكل أكبر مما تتيحه الكتب الدراسية. كما إن دمج التقنية يتطلب مشاركة الطلاب في جمع البيانات واستدعاء المعلومات من الإنترنت والتفاعل مع مدى واسع من الخبرات، ولكن واقع الحال يؤكد أن المعلمين سيتجاهلون كل ذلك وكل ما لا ينسجم مع ما تتطلبه الاختبارات. وسيكون صعبا ـ إن لم يكن ذلك مستحيلاً ـ إظهار مدى إسهام التقنية في تطوير قدرات الطلاب في الاستنتاج وإدراك المفاهيم من دون وجود نوع جديد من التقويم.
وللمهتمين بدمج التقنية في المنهج هناك العديد من المصادر التي قد تكون مفيدة في هذا المجال، ومنها الجمعية الوطنية للتقنية في التربية (The International Society for Technology in Education (ISTE) حيث أمضت هذه الجمعية وقتا طويلا في موضوع دمج التقنية في مناهج التعليم العام، وقامت بالتعاون مع عدد من المنظمات التربوية والمنظمات المتخصصة في الفروع الدراسية المختلفة بالولايات المتحدة بتطوير "المعايير الوطنية لتقنية التعليم" (National Educational Technology Standard (NETS)، وطورت أيضا بعض الوثائق الأخرى الداعمة شملت "وثيقة إعداد المعلم لاستخدام التقنية " NETS.T، و"سلسلة المناهج ـ والوحدات المتكاملة للمستويات الدراسية من الصف الثالث وحتى الخامس"، ووثيقة " اجعل التقنية تعمل لأجلك ـ دليل مديري المدارس".
وقد عرفت الجمعية الوطنية للتقنية في التعليم (ISTE) دمج المنهج Curriculum Integration بأنه نشر التقنية كأداة لتحسين التعلُّم في مجال محتوى تعليمي محدد أو في المواقف الدراسية التكاملية، وتشير معايير الجمعية (ISTE) إلى وجود العديد من الشروط الأساسية المطلوبة لتوفير بيئة تعلم تدفع باتجاه الاستخدام الفعّال للتقنية تشمل ما يأتي:
- وجود رؤية وقيادة داعمة داخل المؤسسة التربوية.
- توافر تربويين مدربين ومهرة في استخدام التقنية في التعليم.
- وجود معايير للمحتوى ومصادر المنهج.
- تقييم فاعلية التقنية بالنسبة إلى التعليم.
- إتاحة الوصول إلى التقنية الحديثة والبرامج وشبكات الاتصال.
- الدعم الفني لصيانة واستخدام المصادر التقنية.
- وجود شركاء من المجتمع لتقديم الخبرة والدعم والتفاعلات الحياتية الواقعية.
- توافر دعم مالي متواصل لمساندة استخدام التقنية.
- وجود سياسات ومعايير تدعم البيئة التعليمية الجديدة.
وتلخيصاً: هناك عدد من الأهداف التربوية والاقتصادية والاجتماعية المهمة التي يمكن تحقيقها من خلال استخدام التقنية في عمليتي التعليم والتعلم، ولا يمكن تحقيق مثل هذه الأهداف من دون توافر مدى من الظروف التي تحسن احتمالية تحقيق الفوائد المرجوة، ويشمل ذلك دمج التقنية بشكل صريح وواضح في المنهج وفي أساليب التقويم المستخدمة، وبالطبع لا يمكن تطبيق أساليب التقويم المطورة ما لم يكن الوصول للمصادر التقنية اللازمة لتحقيق الأهداف متاحاً للجميع، وكذلك فإن المعلمين لن يعطوا الوقت والجهد اللازمين لاستخدام التقنية ما لم يكن استخدامها موثقاً ضمن المخرجات التي ينص النظام التربوي على تحقيقها.
وعلى أصحاب القرار التربوي الموازنة بين تشجيع الاستخدام الفاعل للتقنية والتأكد من إتاحة الوصول إليها بالتساوي.
 
بالاعتماد على مقال Joanne Capper (2003) :
Capper, Joanne , Complexities and Challenges of Integrating Technology Into the Curriculum, TechknowLogia, January - March 2003 � Knowledge Enterprise, Inc.
www.TechKnowLogia.org

 

http://informatics.gov.sa/articles.php?artid=387


 
أضف تعليقًا

نص التعليق

     

انضم الينا فى الفيسبوك تابعنا على تويتر شاركنا على اليوتيوب اتصل بنا