تربية الذوق السليم عند الأطفال

تربية الذوق السليم عند الأطفال

سلم محمد

ــ تربية الذوق السليم عند الأطفال، من المهمات الجليلة، التي تحتاج إلى الحظ الوافر من الدراسة، فكلما كان ذوق الطفل سليما فإنه سيثمن ويقدر الجمال، وفق الفطرة الإنسانية، وحسب الأخلاق الإسلامية، وسيشعر بالسعادة، والتكيُّف مع نفسه ومع مجتمعه، تكيفا مناسبا، فلا يشعر بالقلق، ولا بالاضطرابات النفسية العنيفة، ولا يلجأ إلى التفكير المنغلق على الذات، ولا إلى الغضب والحقد على من حوله، ويتعلم ضبط عواطفه، والتصرف بحكمة وسعة صدر.

ــ من القضايا المهمة في تربية الذوق السليم، عند الأطفال، العناية بتنمية المشاعر، أو العواطف تنمية صحيحة، وفق حاجات ومتطلبات المجتمع، وذلك عن طريق تقديم الأنغام المحبوبة والرسوم والألعاب المرغوبة، التي تجلب الانتباه، وتشد العواطف، تقديما مدروسا ومحكما، حتى يتم توجيه الأطفال إلى الأغراض المطلوبة، بأمانة وإخلاص.

ـــ لا بد من العناية الفائقة والاهتمام الكبير بالمواد الفنية، التي تربى في الطفل حسن التذوق، ودقة الشفافية، وحب العمل والنظام، وغيرها، مع دراسة جوانب مهمة، من شئونه وقضاياه، المتعلقة بتوجيهه إلى حسن التكيف، وضبط الانفعالات، وإلى معرفة وتقدير مواطن الجمال، أينما كانت، سواء بالتدريب في المدرسة على الأوزان والألحان العربية، لمعرفة جمال اللغة، والمعاني النفيسة والشريفة، أو بالتدريب على مزاولة الرسم والخط والتعبير والألعاب، لتكوين الشخصية، والقدرة على الضبط والتهذيب، وللوقاية من أراض الأمية المتمثلة فى الوحشية والغلظة والشعور بالنقص، والكبر والحقد، وللوقاية من خبث العولمة المتمثل في حب العادات الحيوانية وكره الحياء.

ـــ ينزعج العربي بطبعه، من كل جديد، بسبب شدة إفراطه في المحافظة على الأسس والثوابت المتعارف عليها، حيث يرفض كل ما لا يعرفه، بشدة، ولا يقبل عرضه، ويصدر عليه الأحكام المسبقة، باعتباره أجنبي، أو غير واضح، أو غير مفيد، فهو ينزعج من كلمة: الموسيقى، والرسم، واللعب، ويعتبرها دعوة إلى التغريب والتخريب، وإفساد الأخلاق، ونشر الرذائل والفواحش، وبذلك فاتهم أمران، الأول: عدم الاستفادة من تحسين الذوق، وحب الجمال والنظام، فتجد العربي يكاد يقتل أخاه من شدة الغيظ، فإذا تعانقا: أخذهما البكاء الشديد، والنحيب الكثير، للتعبير عن شدة الحب والمودة، وذلك لأن مشاعر الحب والكره محشورة فيهم حشرا، بإفراط وبلا اتزان، وقد يقترف الإنسان أكبر الأخطاء بسبب التسرع، أو بسبب سوء فهم الصديق، أو سوء تفسير كلام الخصم، والثاني: دخول الأعداء على هذه الجوانب الفطرية الطبيعية، وتوجيه الناس إلى ما يريدون، بدون رقيب ولا حسيب، ففي عصرنا هذا أصبحت كل المجتمعات غير محصنة من العبث الإعلامي، المتمثل في استعمال أسلحة: الأغاني، والرسوم، والألعاب، أسوأ ما يكون الاستعمال، سواء بالغناء الفاحش، أو بالرسم الرديء، ثم توزيعها بكثافة عن طريق الأجهزة الفعالة في البيوت، والسيارات، والمقاهي، وأصبح العربي، يتخبط في ظلمة، لا يدرى ما أصابه، ولم يستطع التفكير في الخلاص والنجاة من الطامة، ناهيك عن التفكير في المستقبل، ثم التخطيط وتحديد الأهداف.

ــ لما كان التعليم العربي يعتمد المنهج القديم، منهج التلقين بالقهر والإهانة، فقد تذوق المعلمون هذا الأسلوب، وباتوا مدافعين عنه، ويضربون الأمثلة على نجاحه، باعتبار أنه قد حدث مرة، أو أكثر: أن طفلا ما، شرد يوما، وضجر من الدراسة، فلما ضرب ضربا شديدا، استقام، وأصبح من الأوائل، وباعتبار أن المعلمين الناجحين هم الذين لا يرحمون الأطفال، ويضربونهم الضرب الشديد، بغض النظر عن مستوياتهم العلمية، وأصبح الكلام عن منهج التعليم الحديث، لا يمثل لهم إلا دعوة إلى الاستهتار، وتغليب الطلاب على المعلمين، ويتخيلون العلم العظيم المتمثل في مسائله الجميلة، المثيرة للتفكير، والمحفزة على التزود منه ليلا ونهارا، أمورا غير محبوبة، وغير مرغوبة، لدى المتعلمين، مما يستوجب إجبار هم عليها، ولكن العكس هو الصحيح، فإن العلم إذا قدم على صورته الصحيحة، أقبل عليه الطلاب كما تقبل النار على الهشيم، أو كما يندفع الماء في الجداول.

ــ يعيش العرب اليوم بعلمائهم المجبرين على التعليم، حياة يرثى لها، فتصرفات المتعلمين، مثل تصرفات غيرهم، تعتمد الخوف الشديد من الخطأ، وسرعة الغضب، وعدم الحلم، واللجوء إلى الحيلة في تدبير الأمور، فترى المتعلم يكذب ويصدق الكذابين، ويدعو غيره بلهفة شديدة إلى ضرورة التديـــن، لأجل تمرير سياساته، بسلاسة ونزاهة، وصولا إلى أن الوزير يسرق الميزانية، والقاضي يأخذ الرشوة، والدرك يشرب الخمر، وغير ذلك من التفاصيل التي تنتشر في المجتمعات العربية، من السلوك العجيب، والسلبية والأمراض الاجتماعية، وكل ما يدل على أن التعليم السائد ضرره أكبر من نفعه، لأن التربية بالعنف تجلب كل خبث، أو تعيق وتمنع التأمل في حقائق الأشياء، ومن الأدلة الطريفة على أن القهر يمنـــع الفهم، ويغلق الرغبة، ما سمعته مرة من كاسترو، رئيس كوبا، وهو يحكي قصة طفولته، على التلفزيون، مما قاله: لقد حاولت كتابة الشعر في الغزل، وأعجبت بذلك حتى انهمكت داخل الفصل في ترتيب بعض الأوزان، فلم أشعر بالمدرس، حتى أخذ منى الورقة، فتألمت ألما شديدا، ولكن بعدما قرأها على التلاميذ، وضحك زملائي عليَّ، بسخرية شديدة، أصابني الإحباط، وكرهت الكلام على الشعر، ولم أحاول كتابة الشعر بعدها أبدا، إلخ، غير أنه لا ينبغي الجدال في مثل هذا، فأنصار التعليم القديم أشد غيرة وخوفا، ولأن التعود، والنقش في العقول لا يمكن إنكاره، أو تجاهله، والصواب هو مراعاة الأحوال كلها، لإيجاد منهج حديث للتعلم، منهج مزاولة التعليم بحرية ورغبة، مع ضرورة الحث عليه، وبيان مزاياه، وتوفير وسائله.

ــ المواد الدراسية، الترفيهية، لا تلقى استحسانا، ولا قبولا في المجتمع العربي، مثل مادة: التعبير الإنشاء، ومادة التربية الموسيقية، ومادة التربية الفنية، فلم توضع لها مناهج ولا كتب، ويستهزأ بها، وتعتبر وقتا زائدا، يمكن استغلاله للمواد الأخرى، وهي في الواقع وفى الحقيقة: أفضل من كل العلوم، ومقدمة عليها، لأنهــا هي التي تساهم في بناء شخصية المواطن، وتأسيس ذوقه، وميوله، وحبه وكرهه، وتجعله يعرف الحياة الحرة السعيدة، ويميز مواطن الجمال، وصولا إلى اكتساب المهارات، وتهذيب الأخلاق، واستنتاج الأساليب الصحيحة، فالإنسان السعيد يستطيع أن يعبر عن مشاعره وانطباعاته بالطريقة الصحيحة والمناسبة، فيشعـــر بالقوة، والقدرة على العمل، والذي لا يستطع ذلك يركن إلى الضعف والذل، ويلجأ إلى التحايل والكذب، لتبرير العجز، لذلك يجب على المسئولين، أو على المهتمين بالتعليم، أن يعطوا هذه المواد الأساسية ما تستحق من عناية، للمساهمة في بناء أجيال ناضجة وواعية، وصحيحة ومستقيمة، دون المساس بصفقاتهم المعـهودة.

ــ الفن هو: وسيلة من وسائل خدمة الإنسان، يتصل بتحديد الأهداف، عن طريق الجانب الحسي، ومخاطبة الوجدان، لتحديد السلوك الفردي، حيث ترسخ لديه شعورا بمفاهيم جديدة، تعكس الانفعالات والأفعال الحقيقية، والتذوق هو: الإحساس بالجمال، والاستمتاع به أينما كان، فهو التغيير الذي يحدثه هذا الجمال على الإحساس ويتأثر به، وعملية التذوق هى: عملية اتصال بين المتذوق والجمال، سواء كان عملا فنيا أو مشهدا طبيعيا، وغيرهما، فهى: عملية مزدوجة تقع بين الفنان والمتذوق.

ــ للفن مكانة مهمة وضرورية، في التعليم السليم، فالفن مصدر من مصادر التعبير والتوجيه، والإشباع الذاتي، ونمو التفكير المتشعب، ونمو المهارات الأساسية، للإدراك الحسي، والاتصال البصري، واكتساب الخبرات، والتفاعل مع الذات والبيئة، فالتركيز على عوامل القراءة والكتابة والحساب، فقط، هو تركيز على عامل واحد، لا يشمل المدى الواسع من القدرات الفكرية، الضرورية، كالقدرة على التساؤل، والبحث واكتشاف الأشكال والنظم، والعلاقات الجديدة، ولا شك في أن زيادة الوعي، عن طريق الحواس يزيــــد في فرص التعليم، وتأسيسا على ذلك فإن توجيه الطفل وطاقاته إلى غايات تربوية وتعليمية سامية، يكون من خلال، إطلاع المعلمين على الدراسات المتخصصة، في تربية الطفل وتعليمية، والإطلاع على الأوزان أو الأنغام، والأناشيد العربية المناسبة، والاطلاع على فن رسوم الأطفال، وعلى ألعابهم وصناعاتهم المفيدة، والمحاولات الجادة والمستمرة، للبحث عن السبل والأساليب الفعالة والنافعة، وصولا إلى معرفة أفضل وأيسر الطرق، للتوجيه والتدريب، مثل تعليم الأطفال فرادى أو جماعات: الترنم وحسن الأداء، وإخراج الأصوات بقصد وقوة، وكيفية استعمال أدوات الرسم المتاحة، واختيار الموضوعات، كل ذلك للتعبير عما يريدون، مع التشجيع والرعاية، ابتداء من التدريب على أصوات الحروف، وعلى كيفية رسم النقطة، والخط، ثم تكوين المثلثات، والمربعات، والدوائر، وصولا إلى رسم الأشياء السهلة مثل: المقص، والكوب، والوردة، والنخلة، والسيارة، ثم التدريب عن طريق الشف، أو عن طريق المربعات، مع المبالغة في توفير الأدوات، مثل: الأقلام والكراسات، والورق المقــوى، والصلصال، والألعاب مثل: السيارات، والساعات، والآلات الحاسبة، والدراجات، وتوفير مجلات الأطفال في المدارس، التي تحتوى على الرسوم، والقصص، والفكاهات، والألغاز، والألعاب، والمسابقات الفكرية والعلمية والأدبية، أما في مجال الكتابة فيجب أن يتعلم الطفل رسم الحروف، بالطريقة الصحيحة، أي: حسب قواعد خط النسخ، الذي تكتب به الكتب، والمجلات والصحف، وبعد تقدم الطفل وحفظه الحروف، فإنه يوجه إلى تعليم الكتابة بخط الرفعة، الذي يناسب الكتابة اليدوية، ويناسب السرعة في الكتابة، فيتدرب على قواعده ليعرف الحروف المطموسة، ويتجنب التشكيل والمسافات بين الحروف والكلمات، إلخ.

ـــ التربية الموسيقية مصدر مهم من مصادر توجيه الطفل، إلى الأهداف المنشودة، لذا يجب تدريب الأطفال على تذوق الألحان والأنغام العربية، بحور الشعر، والأوزان الشجية، وعلى حب المعاني الإنسانية العظيمة، وذلك عن طريق التدريب على الأوزان الخفيفة، المحببة لديهم، حيث إنه من المعلوم، أن الإنسان، لا ينسى قطع المحفوظات، التي حفظها في طفولته، والتي رسمت منهجــه، وأسلوبه في الحياة، ومن تلك الأوزان والمعاني مثلا:ـ

1ــ وزن الرجز: ستفعلن، ست مرات، مع بعض التغييرات، مثل:ــ

إن الصلاة أربعٌ وأربــــــعُ

ثم ثلــــــــــــاثٌ بعــــــــدهن أربعُ

وركعتـــان "الصبحَ" لا تـُضـيعُ.

قواعد الإسلام خمسٌ واجبـــاتْ

ومن ذلك أيضًا:

وهــــى الشهادتـــــان شرط الباقياتْ

ثم الصلاة والزكـــــــــاة فى القطــــعْ

والصــــوم والحـــج على من استطع.

2ــ وزن مجزوء الرمل، فاعلاتن فاعلاتن، أربع مرات، مع بعض التغييرات، مثل:

طلع البدر علينــــــا = من ثنيات الــوداع

وجب الشكـر علينــــا = ما دعــــــا لله داع

ومنه أيضًا:

يا إلهي يا إلهي = يا مجيب الدعــوات

اجعل اليوم سعيــــــــدا = وكثيــر البــــــركات

وأعني في دروســـــي = وأداء الــــــواجبات

واجعل التوفيق حظي = ونصيبي في حياتي

وكذلك أيضًا:

أقـــبل الصبح يغــنى = للحيــــاة الناعســــــــة

أقبل الصبــــــــح جمـــــــيلا = يمــــلأ الأفق بهــــــاهْ

واتبعيني يا شيــــــــــــــاهي = بين أسراب الطيـــــور

واملئي الوادي ثغـــــــــــاءً = ومراحــًـا وحبـــــــور

واسمعي همس السَّـــــواقي = وانشقي عطر الزهـور

وانظري الوادي يُغشِيــــــ = ـــــه الضبــاب المستنيــر .

لا تزال الألحان والأناشيد من مظاهر الحياة الاجتماعية الماسة، والناس محتاجون إليها، ولا يمكنهم العيش بدوها، ابتداءً من الغناء للأطفال، سواء فى المهود، لأجل النوم أو السرور، أوفى الفصول لأجل تحريك الشعور، وتهذيب العواطف والانفعالات، وذلك لربطهم بحب الأهل والمجتمع وحب الوطن، عن طريق التغني بالأناشيد الوطنية، والأغاني الاجتماعية، ولترسيخ المحفوظات فى أذهانهم، ومن الأمثلة الملموسة على أهمية الألحان أو الأوزان والشعر فى التعليم: أنه لو قلنـا للأطفال: "إن الديك مفيد وجميل يوقظ الناس فى الصباح..." فإنهم لا يستجيبون لذلك مثل استجابتهم لقول القائل: "ديكي ديكي أنت صديقي"، " تشرب مائي من إبريقي"، ولذلك يحب الأطفال تهجئتهم: آ إي، أو، با. بي. بو، وقد نظم بعضهم تهجئة الحروف، كما يلى:

ألفٌ: أرنبْ، يجرى يعلبْ = يأكلُ جزرا كيْ لا يتعــــبْ

باء: بطة، نطتْ نطـــــــةْ = وقعتْ، ضحكتْ منها القطة

تاء: تــــاجٌ، فوق الرأسِ = فيه الذهبُ فيه المــاسِ

والدليل على أهمية الشعر في التعليم، أنه إذا قلنا للتلاميذ مثلا: "هناك عجوز اسمها ربابة، تملك ديــــكا وعشرَ دجاجاتٍ، وتستعملُ الزيتَ والخلَّ في الأكلِ والدِّهان"، فإنهم لا يستجيبون لذلك، مثل استجابتهم لقول بشار بن برد المشهور:

ربابةُ ربةُ البيــتِ = تصبُّ الخلَّ في الزيــت

لها عشـرُ دجاجـاتٍ = وديكٌ حسنُ الصــــوت

ــ وقد قام العلماء قديما بضبط علومهم فى المنظومات الشعرية، لأنها تساعد على تخليد الحفظ فى الذاكرة، مثل ألفية ابن مالك فى علم النحو والصرف، ومتن الرحبية فى علم المواريث، ومتون علم التوحيد، وعلم التجويد، وغيرها، كما أنه يمكن بالنظم جمع كثير من المعلومات بصورة مختصرة مثل: قول سليمان الجمزورى في منظومة تحفة الأطفال:ـــ

وبعد هذا النظم للمـــريد = فى النون والتنوين والمـــدود

سميته بتحفة الأطفـــال = عن شيخنا الميـهيِّ ذي الكمال

للنون إن تسكن وللتنوين = أربعة أحكــام فخــذ تبيني

فالأول الإظهــار قبل أحرف = للحلق ستٌ رتبت فـلتـرف

همز فهـــاء ثم عين حــاء = مهملتان ثم عيــن خــاء.

ومثل قول ابن مالك فى الألفية:ــ

ككان ظل بات أضحى أصبح = أمسى وصار ليس بـــــرح

لإن أن ليت لكنَّ ليـت لعلْ = كأن عكس ما لكان من عمل.

فإذا كانت الكلمات الجميلة، والأوزان والأنغام، تجذب السامعين، وتأخذ بألبابهم، فإن استعمالها وتهيئتها فى التعليم، من المهمات التي لا بد منها، لأنها تساعد على تيسير التعليم، وترسخه في الصدور والأذهان، حيث تستغل رغبات النفوس البشرية، وميولها إلى الأنغام والرسوم، والألعاب، لتوضع فى مسارات تعليمية مفيدة، وفق التوجيهات المنشودة، والأهداف المرسومة.

ـــ للرسم مكانة مهمة وضرورية في نجاح التعليم، وتيسيره على الطلاب، وفى الترفيه وتهذيب الأخلاق، ابتداء من الطفولة، في السنوات الأولى، ثم في كل مراحل التعليم، ثم في السيطرة الإعلامية والإعلان، وأول ما يجب على الناس معرفته هو أن رسوم الأطفال هى: انعكاس لشخصياتهم الشعورية، ومفتاح لفهم خواطرهم، ومرآة للمزاج وأعماق الشخصية، سواء كان ذلك الرسم عن طريق نظرية: أن التعليم معرفة المقومات الفنية والجمال، أو عن طريق نظرية: أن التعليم هو: مزولة النشاط العقلي والمعرفي، كما يجب على الناس معرفة نظريات علم رسوم الأطفال، أو تفسيـــر رسوم الأطفال مثل: النظرية الواقعية الساذجة، والنظرية الإدراكية، والنظرية التحليلية، والنظرية السلوكيـة، وأن من مقوماته: التسطيح، والخلط بين المسطحات والمجسمات فى حيز واحد، والمبالغة والحذف، والشـــفوف، والتمثيل الزمانى والمكانى، والجمع بين اللغة الشكلية واللفظية، وأن يعرفوا أيضا أنه من جملة تنظيم الطفل للعناصر فى الفراغ: التنظيم التناثرى، والتنظيم الحشوي، والتنظيم التصفيفي، والتنظيم شبــــه التصفيفى، والتنظيم المحوري، وأن تصنيف مراحل النمــو الفني للأطفال، منها: مرحلة الشخبطة، ومرحلة التبصر، ومرحلة بداية الإيجاز الشكلي، ومرحلة الإيجاز الشكلي، ومرحلة بزوغ الواقعية، ومرحلة الواقعية المزيفة، وأن الفروق الفردية يبن الذكور والإناث والصم، تختلف باختلاف الجنسين سواء فى تفضيل الموضوعات المختلفة، أو بالرموز، أو بالطابع العام، أو بالتفاصيل، مثل: الألوان، والاهتمام بالجنس الآخر، على أن تتواصل الجهود إلى أن يتعلم التلميذ ترجمة المعاني بالصور المعبرة

ــ يتم توجيه ذوق الطفل، زمن الأمية، أو خلال النصف الأول من القرن العشرين، بمقطوعات شعبية، تقولها النساء للأطفال اعتزازا بهم أو لتسليتهم، أو ينشدها الأطفال، فرادى أو جماعات، في المناسبات، والأفراح والأعياد، وكانت البنات تمارس حق المتابعة والحفظ، ويندمجن مع النساء بشكل تام، في غناء الأفراح، ويشاركن فى الغناء، ويطلب منهن باستمرار مواصلة التصفيق والرقص ورفع الصوت، والجهر بالطرب والفرح، لذلك فالبنات فى الأفراح أكبر من يطالب بالغناء، وقد ينفردن بأنفسهن، في حلقات خاصة، إذا توقفت النساء عن الغناء، كما كانت للأطفال من الجنسين في ذلك الوقت رسومهم وألعابهم التي يطول البحث فيها، فكان أساس ذلك الذوق والعادات: الحفاظ على الثوابت والأعراف السائدة، والبعد عن المستوردات مهما كانت.

ـــ وفي زمن العولمة في هذا العصر، أصبح المجتمع العربي كله، متذبذبا، في الذوق والحياة، وصار الطفل لا يستطيع الغناء، ولا الرسم، ولا اللعب، واختلطت عليه المفاهيم والأذواق والآلات، وفسد انسجامه مع الفن الوطني، ولم يعد يفكر في بناء شخصيته، ولا نجوميته، ولا استقلاله، ولا حبه للعمل، وذلك بسبب تعدد وكثرة الأجهزة الفعالة، ولم تتكون في مشاعره وانفعالاته الأحاسيس الإنسانية، ولا العواطف الوطنية والاجتماعية، وذلك لأنه يستمع كل يوم إلى نغم جديد ولحن غريب، وأغاني خالية من المعاني المهمة، ولكنها مثيرة بالأصوات والأضواء، أكثر مما سمعه في اليوم السابق، وتزاحمت على فكره الأنغام، من الأجهزة الإعلامية التي لا حصر لها، ولا مراقب عليها، والتي قد تهدف إلى خلخلة الثوابت الخصوصية لجميع الأمم، وأصبحت الأصوات لا تدل على شيء، غير تفويت الوقت، كالمحذرات، وكما في الرسوم المتحركة، التي ضخمت الخيالات وأصبحت ملازمة للطفل فى قصص القط والفأر، وغيرها، ففاته مثلا: فهم المسلمات، مثل معرفة العداء الطبيعي بين بعض المخلوقات، كالثعالب والدجاج، والكلاب والذئاب، وتأسس في خلده أن الأنغام لا علاقة لها بالآداب والفنون الإنسانية، بل لم يعد قادرا على معرفة أن للمعاني الشريفة فضلا وميزنا، وبذلك صار لكل طفل أغنية لا يعرفها صديقه، ومفاهيم لا تتوافق مع أي: طفل آخر.

ـــ وفى مجال الرسم والألعاب، وفرت الأجهزة الحديثة للأطفال رسوما كثيرة وفائقة، من حيث الدقة والألوان، فوقف الطفل أمامها حائرا، محبطا، لم يفكر في محاكاتها ولا في الاستفادة منها، مع توفر جميع وسائل الرسم، من كراسات وأقلام وألوان، ومع احتواء الرسام في جهاز الكمبيوتر، على كل مستلزمات الرسم، من نقل ودمج وقص وتلوين، وصار استقبال الرسوم الدائم وزحمة أنواعها، عائقا عن التفكير في الرسم، وقاتلا لمخزون التذوق عنده.

ـــ لا سبيل إلى ربط المجتمع يبعضه، وبموروثه الثقافي والحضاري، إلا عن طريق المدرسة، بعيدا عن القنوات الكثيرة المنوعة، وذلك بالتركيز على أنغام وأذواق موحدة، مخصوصة ومدروسة، على نطاق الدولة أو الأمة، انطلاقا من المواد التي توفر ذلك، وهي المواد الترفيهية، مواد التعبير والموسيقى والرسم والألعاب.


 
أضف تعليقًا

نص التعليق

     

انضم الينا فى الفيسبوك تابعنا على تويتر شاركنا على اليوتيوب اتصل بنا